ثقافة السلام – تطلعات وآمال

لقد كان لإعلان منظمة اليونسكو سنة ألفين 2000 سنة دولية لثقافة السلام أثره الفعال في طرح رؤية جديدة لحياة الانسان على وجه الأرض؛ ذلك الإعلان الذي عبّر عن آمال جيل يتطلّع إلى حياة أكثر استقرارًا وأمانًا وينشد الرّخاء والازدهار لما يعقبه من أجيال، وليكشف عن حاجة ملحّة أملاها التطوّر المستمرّ للوعي الانسانيّ بما يفتـقده لضمان سعادته ورفاهيته على هذا الكوكب الأرضيّ. وما أشبه اليوم بالأمس، فما كانت البشرية تفتقده بعد عقد من الزمان ما زال يؤرّق مضجعها ويعكّر صفو هنائها. ولم تكن البشريّة أكثر حاجة إلى السّلام من اليوم، بعد أن أضحت لغة العنف والعدوانيّة اللغة السائدة في المعاملات الانسانيّة، وبات النزاع والأنانيّة الميزة الظاهرة في كثير من جوانب الحياة، سياسيّة كانت أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة.  فالعالم البشريّ اليوم في حالة من الفوضى والفساد؛ وشبح الحرب قد ألقى بظلاله على معظم أرجاء الأرض؛ وشاع الانحلال الخلقيّ والتفسّخ الاجتماعيّ؛ وساد الجوع والفقر؛ وعمّت الكوارث والمآسي؛ وتفشّت الأمراض والآفات، حتى إنّه ليخيّل أنّ الأمور قد خرجت عن نطاق السيطرة والتحكّم وأنّ الاستمرار على نفس النهج فيه اضمحلال وفناء البشريّة.

لقد باتت مسألة الصلح والسلام العالميّ في عالم اليوم مسألة جوهريّة لابدّ من مناقشتها ودراستها كخيار أمام بشريّة سحقتها الآلام والآفات وعصرتها الأنظمة والمعاملات القائمة على الشكّ وسوء الظنّ وروح التنافس العدوانيّ؛ وذلك لأنّ الشرور والعلل المستولية اليوم هي في الحقيقة عالميّة النطاق وليست مقصورة على أمّة أو عرق بعينه، أو نظام سياسيّ أو وضع اقتصاديّ معيّن. وعليه أصبح النظر إلى هذا الخيار أمر حتميّ لا بدّ من اتّخاذه بديلاً عن خيار آخر يقود إلى دمار وشقاء أكبر.

وقد يبدو تحقيق ذلك مستحيلاً، لولا الشواهد التي تبشّر بإمكانيّة وجوده في متناول البشريّة اليوم.  وفي الحقيقة، فقد بدا هذا الحلم بعيد المنال لقرون عديدة حتى تهيّأت له الأسباب والوسائل!  فإنّ التقدم الهائل الذي شهده العصر الحاليّ في العلوم الطبيعيّة والبيئيّة قد أتاحت للبشريّة إمكانيّات عظيمة نحو تحسين نوعيّة حياتها على وجه الأرض، كما أن التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العقود الأخيرة قد وضع العالم على عتبة عصر جديد في آماله وتطلّعاته نحو غدٍ مشرق، وفتح المجال أمام إمكانيّات هائلة للاندماج والائتلاف لم تكن ميسّرة قبل قرن من الزمان.  ولا تنقص البشريّة اليوم، بعد أن تحقّق لها أسباب الرفاهيّة المادّيّة، إلا قبول لواقع يفرضه عليها الناموس الإلهيّ في سير تكاملها الانسانيّ على مرّ الدهور والأعصار.

فالأسرة الانسانيّة تمرّ في مسيرة حياتها الاجتماعيّة بمراحل مشابهة لما يمرّ به الانسان في مراحل حياته من طفولة فحداثة ثم بلوغ ونضج، وما شهدته عبر التاريخ من صراع وتلاطم وعدم استقرار كانت في الحقيقة ظواهر طبيعيّة لمرحلة ما قبل البلوغ. وها هي قد وصلت الآن إلى عتبة مرحلة النضج الجماعيّ في مسيرة تكاملها الحضاريّ، يمكن رؤية شواهدها فيما تحقّق لها من إنجازات عظيمة خلال قرن من الزّمان. فهل يمكن، على سبيل المثال، تجاهل ما تحقّق في منتصف القرن الماضي من نجاح في ترسيخ دعائم نظام عالميّ من خلال تأسيس مجلس دوليّ تمثّـل في هيئة الأمم المتحدة والتي برهنت بجهودها المستمرة على مدى عقود وبما تملكها من صلاحيّات وشرائع على إمكانيّة الحفاظ على السلام؟ أو هل يمكن التقليل من شأن تلك الجهود التي أسفرت عن تشكيل اللجنة الدوليّة لحقوق الإنسان، وقيام منظّمات غير حكوميّة متزايدة على العمل من أجل ضمان احترام الإعلان الدوليّ لحقوق الانسان وتطبيقه كأساس للمعايير والضوابط الدوليّة؟  فضلا عن ذلك التحوّل الجذريّ الذي طرأ على الفكر البشريّ المتمثل في إدراكه لأهميّة تغيير أنماط من السلوك والفكر كانت في الماضي من المسلّمات وسببًا في النزاعات والصراعات، مثل التعصبات الدينيّة والمذهبيّة؛ والصراعات العرقيّة والنوعيّة والقوميّة؛ وتكريس مبدأ الفرديّة وسيادة الحق الشخصيّ والانهماك في الماديّة البحتة التي تعتبر جوهر اللادينيّة.  وبموازاة ذلك على صعيد الحياة الاقتصاديّة، شهدت العقود الأخيرة من القرن الماضي قيام مؤسسات عالميّة مثل صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ والاتفاقيّة العامّة للتعرفة والتجارة وجهود عالميّة أخرى تعنى بتحقيق الرّخاء الماديّ على كوكب الأرض. ألا يدلّ كلّ ذلك وشواهد غيرها أنّ المجتمع البشريّ في مسير حضارته الإنسانيّة يعي ويدرك باستمرار أن حفظ كيانه واستقراره يعني الحفاظ على وحدته وتحقيق العدل والمساواة بين جميع أفراده دون استثناء؟  أليس ذلك شاهدًا حقيقيًّا على أنّ المجتمع الانسانيّ يسير على نهج تكامليّ يقوده نحو قدره المرسوم له من قبل خالقه وهو مرحلة الاتحاد والائتلاف الحقيقيّ؟

إنّ الدرس الذي يجب أن تعيه البشريّة جمعاء من خلال تجارب الماضي وأخطائه هو أنّ كل تطوّر وتقدّم تحقّق عبر التاريخ كان نتيجة التعاون والتضامن ووحدة العمل، وأنّ الظلم والانقسام والعناد جرّ لها الوبال والشقاء والدمار. وعليه فإنّها الآن أمام خيار حول مقدار المعاناة والشقاء الذي يجب أن تكابدها حتى تسلّم بهذه الحقيقة وتصل إلى برّ الأمان.  فهل تعي هذا الدرس قريبّا فنشهد عملاً صادقًا نحو سلام ووحدة حقيقيَّين مع نهاية القرن؟!

أضف تعليق