الأرشيف

نحو تعزيز ثقافة التّسامح

مع انفتاح العالم على بعضه البعض بفضل الثّورة التّكنولوجيّة والمعلوماتيّة الحاصلة منذ القرن الماضي والتي أزالت الحواجز الزمانيّة والمكانيّة ومهّدت للتّفاعل بين شعوب الأرض والتّقارب بين الثّقافات واختلاط الأجناس والأديان ببعضها، أصبح العمل على مدّ جسور التّفاهم والألفة بين الشّعوب وترسيخ مفهوم التّسامح والتّفاهم المشترك ضرورة ملحّة.

ولعلّ ما يحدث اليوم من جرائم بشعة ضدّ الإنسانيّة، بسبب رفض تقبّل الآخر والاعتراف بوجوده، يضعنا أمام مسؤوليّة جسيمة لا مناصّ من حملها من أجل حفظ المجتمعات البشريّة ودرء الآثار الكارثيّة للحروب الطّاحنة. وهي مسؤوليّةٌ إنسانيّة وجدانيّة، قبل أن تكون مسؤوليّةً اجتماعيّة، دَعتْ إليها الأديان كافّة.  كيف لا وهي جميعًا تحضّ على الحبّ والبرّ وتأمر بالخير والصّلاح وتوصي بالأمن والسّلم.

وباستعراض بعض من هذه الوصايا والنصائح الإلهيّة هنا، يتبيّن جليًّا هذا الاتّفاق السّماويّ في الدعوة إلى التّسامح والرّحمة والرّأفة والإحسان وإرساء قواعد العيش المشترك وحسن الجوار في أرقى صوره. ففي اليهوديّة مثلا نجد هذه الوصايا: “كُفّوا عن فعل الشَّرّ. تعلّموا فعل الخير. اطلبوا الحق. انصفوا المظلوم…”[1]، “كلّ ما تكره أن يفعله غيرك بك فإيّاك أن تفعله أنت بغيرك”[2]، وفي المسيحية نجد: “حِدْ عن الشَّرّ، واصنع الخير. اطلب السّلامة، واسْعَ وراءها”[3]، “من أراد أن يحبّ الحياة ويرى أيّامًا صالحة، فلْيكْفُفْ لسانه عن الشَّرّ… لِيُعرِض عن الشَّرّ ويصنع الخير، لِيطلب السّلام ويَجِدّ في أثره.”[4] أمّا الإسلام فنراه يحثّ على هذه المبادئ السّامية في هذه الآيات: “ادْعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن…”[5]، “فاصفح الصّفح الجميل”[6]، “والكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس والله يحب المحسنين”[7]، “يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم…”[8]، ثم نرى البهائيّة ترسي هذه القواعد النبيلة في آيات من قبيل: “ويوصيكم بالبرّ والتّقوى أمرًا من عنده… لا ترضوا لأحد ما لا ترضونه لأنفسكم”[9]، “عاشروا مع العباد بالرَّوح والرَّيحان وذكّروهم بالحكمة بما ينفعهم في المبدأ والمعاد”[10] و “عاشروا مع الأديان بالرَّوْح والرَّيحان ليجدوا منكم عَرف الرَّحمن.”[11]

إنّ دعوة الأديان لاتّباع هذه الأصول والمبادئ التي تنظّم العلاقات الإنسانيّة تشكّل أساسًا لضمان حقوق الأفراد واحترام الحريّات وتحقيق التّواؤم والتّوادّ والتّعارف بين البشر أجمعين.

وترويج هذه الأصول السّامية يتطلّب العمل على مستويات وأصعدة عدّة؛ تعليميّة وتثقيفيّة وتوعويّة، من خلال مناهج دراسيّة تربّي في النّشء روح التّآلف والتّعاون على الخير وقبول الآخر المختلف، وبتوظيف منصّات التّواصل الاجتماعيّ للتّرويج للتّعدّد الثّقافيّ والتّنوّع العالميّ واحترام الأفكار والعقائد والاختلافات بين الأفراد والمجموعات البشريّة، وكذلك عن طريق خلق فضاءات عديدة من أجل التّواصل والتّحاور وتقريب وجهات النّظر وإيجاد قواسم مشتركة بين الأفراد والمجموعات وترسيخ مفهوم الأسرة الإنسانيّة.

ولا يخفى على أحد الجهود المتّصلة التي ترعاها المؤسّسات والمنظّمات الإنسانيّة منذ القرن الماضي من أجل تعزيز ثقافة التّسامح، وعلى رأسها الأمم المتّحدة، حيث عقدت لها الكثير من اللّقاءات والمؤتمرات، فكان إعلان سنة 1995م سنة دوليّة للتّسامح بمبادرة من اليونسكو. واعتمدت الدول الأعضاء في 16 تشرين الثاني/نوفمبر من تلك السّنة، “إعلان مبادئ بشأن التّسامح يؤكّد، من جملة المبادئ التي يؤكّد عليها، على أنّ التّسامح لا يعني التّساهل أو عدم اكتراث بل هو احترام وتقدير للتّنوّع الغنيّ في ثقافات هذا العالم وأشكال التّعبير وأنماط الحياة التي يعتمدها الإنسان. فالتّسامح يعترف بحقوق الإنسان العالميّة وبالحرّيّات الأساسيّة للآخرين. وبما أنّ النّاس متنوّعون بطبيعتهم، وحده التّسامح قادر على ضمان بقاء المجتمعات المختلطة في كلّ منطقة من العالم.”[12]

ولكي تجني هذه الجهود النبيلة ثمارها ينبغي أن تتوفّر لها الإرادة الدوليّة والنّوايا الصّادقة. فهل يعمد قادة العالم إلى الاجتماع متّحدين للتّشاور فيما بينهم وإيجاد الحلول التي من شأنها إرساء أسس متينة من التّعاون والتّجاور والتّعايش السّلميّ المشترك بين كافة الشعوب؟

لكن إذا كانت لأيّ جهود مخلصة وصادقة في هذا السبيل أن تؤتي ثمارها لا بدّ أن تكون مبنيّة على “أساس الوعي وعيًا راسخًا لا يتزعزع بوحدة الجنس البشريّ… التي هي حقيقةٌ روحيّة تؤكِّدها العلوم الإنسانيّة بأسرها.”[13] والاعتراف بهذه الحقيقة يتطلّب نبذ التّعصّبات بجميع صورها وأشكالها، وكلّ ما من شأنه التّفريق بين الأفراد أو المجموعات البشريّة والتّمييز بينهم على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الملّة أو الدّين أو المعتقد.

إنّ مبدأ وحدة العالم الإنسانيّ “يعكس حقيقة أزليّة روحانيّة وأخلاقيّة وجسمانيّة وضعها في محور التّركيز بلوغُ البشريّة الجماعيّ في القرن العشرين. وأصبح ظهور هذا المبدأ أكثر وضوحًا وجلاءًا الآن، لأنّه ولأوّل مرّة في التّاريخ، صار من الممكن لكافّة شعوب العالم أن يدركوا ويحسّوا بالتّعاون المتبادل فيما بينهم، ويغدوا واعين بأنّهم واحدٌ كاملٌ لا يتجزّأ.”[14]

[1]  سفر إشعياء، 1: 16-17 (مأخوذة من موقع st-takla.org)

[2]  سفر طوبيا، 4: 16 (مأخوذة من نفس الموقع المذكور أعلاه)

[3]  سفر المزامير، 14:34 (مأخوذة من نفس الموقع)

[4]  رسالة بطرس الرسول الأولى، 3: 10-12 (مأخوذة من نفس الموقع)

[5]  سورة النحل، آية 125

[6]  سورة الحجر، آية 85

[7]  سورة آل عمران، آية 134

[8]  سورة الحجرات، آية 13

[9]  الكتاب الأقدس، آية 148

[10] لئالئ الحكمة، ج 2 ، ص 344

[11]  الكتاب الأقدس آية 144

[12]  مأخوذة من موقع http://www.unesco.org

[13]  السلام العالمي وعد حق

[14]  https://www.bic.org/statements/jwhr-whd-lwy-lkhlq-thqf-lmy-llwhd-wlthd

المصير المشترك لكافة الأمم

ما أحوج البشرية في هذا الزمن إلى نبذ خلافاته والتكاتف والتعاضد من أجل إحلال السلام والوفاق والمحبة بدل الحرب والبغض والكراهية. فالتعصبات العرقية والدينية والوطنية والسياسية المستشرية في هذه الأيام باتت تهدد بتقويض بنيان العالم الإنساني. والشواهد لا تخفى على العين البصيرة، فمتابعةٌ للأخبار في أجهزة الإعلام المرئي والمسموع تكشف هول المأزق الذي تعيشه البشرية اليوم جراء غيّه وإصراره على تجاهل كل ما يمليه الضمير الإنساني وإعراضه عن كل ما دعت إليه الأديان السماوية والشرائع الإلهية بالتحلّي بالفضائل الإنسانية من محبة وألفة ووفاق وعدل ومساواة. ولم تكن هذه الأديان يومًا سببًا للخلاف أو العداء، “لأن أساس جميع الأديان هو الحقيقة، والحقيقة واحدة لا تعدد فيها..” وهذا النزاع والخلاف الموجودين بين أتباع الديانات المختلفة مردّهما التقاليد المختلفة من صنع البشر والتي امتزجت بالممارسات الدينية فأصبحت جزءًا منها، وهي ليست من الأنبياء بل حادثة وبدعة.

أليس حريّ بنا أن ننبذ تلك التقاليد التي تهدم بنيان الروابط الإنسانية السليمة؟ ألا يجدر بنا أن ننظر إلى جوهر الأديان والمبدأ الأصلي الذي تنادي به؛ مبدأ وحدة العالم الإنساني؟ ألسنا بحاجة إلى أن نعيد النظر في العلاقات التي تحكمنا؟ ألسنا بحاجة إلى أن نجدد رؤيتنا نحو تاريخ العالم الإنساني؟ ذلك التاريخ المجيد لعهد أنبياء الله والمرسلين “الذين تولوا تربية العالم الإنساني في عهود طفولتها الجماعية كمنفذين لمسير حضارة واحدة”؛ حضارة تأسيس الحب والسلام والوفاق بين أبناء الجنس البشري.  نعم! ذلك هو تاريخنا الذي ينبغي أن ندرك حقيقته ونتعلم منه لكي نجني ثماره الخيرة! 

فلننبذ الاختلافات القائمة! ولنضع جانبًا التقاليد الهادمة! فلنتكاتف من أجل الخير والصلاح ونكون سببًا في إحلال السلام والوفاق.  ذاك هو قدرنا ومصيرنا المشترك.  “إنّ ربّكم الرّحمن يحبّ أن يرى مَن في الأكوان كنفسٍ واحدة وهيكلٍ واحد.” – بهاءالله

ثقافة السلام – تطلعات وآمال

لقد كان لإعلان منظمة اليونسكو سنة ألفين 2000 سنة دولية لثقافة السلام أثره الفعال في طرح رؤية جديدة لحياة الانسان على وجه الأرض؛ ذلك الإعلان الذي عبّر عن آمال جيل يتطلّع إلى حياة أكثر استقرارًا وأمانًا وينشد الرّخاء والازدهار لما يعقبه من أجيال، وليكشف عن حاجة ملحّة أملاها التطوّر المستمرّ للوعي الانسانيّ بما يفتـقده لضمان سعادته ورفاهيته على هذا الكوكب الأرضيّ. وما أشبه اليوم بالأمس، فما كانت البشرية تفتقده بعد عقد من الزمان ما زال يؤرّق مضجعها ويعكّر صفو هنائها. ولم تكن البشريّة أكثر حاجة إلى السّلام من اليوم، بعد أن أضحت لغة العنف والعدوانيّة اللغة السائدة في المعاملات الانسانيّة، وبات النزاع والأنانيّة الميزة الظاهرة في كثير من جوانب الحياة، سياسيّة كانت أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة.  فالعالم البشريّ اليوم في حالة من الفوضى والفساد؛ وشبح الحرب قد ألقى بظلاله على معظم أرجاء الأرض؛ وشاع الانحلال الخلقيّ والتفسّخ الاجتماعيّ؛ وساد الجوع والفقر؛ وعمّت الكوارث والمآسي؛ وتفشّت الأمراض والآفات، حتى إنّه ليخيّل أنّ الأمور قد خرجت عن نطاق السيطرة والتحكّم وأنّ الاستمرار على نفس النهج فيه اضمحلال وفناء البشريّة.

لقد باتت مسألة الصلح والسلام العالميّ في عالم اليوم مسألة جوهريّة لابدّ من مناقشتها ودراستها كخيار أمام بشريّة سحقتها الآلام والآفات وعصرتها الأنظمة والمعاملات القائمة على الشكّ وسوء الظنّ وروح التنافس العدوانيّ؛ وذلك لأنّ الشرور والعلل المستولية اليوم هي في الحقيقة عالميّة النطاق وليست مقصورة على أمّة أو عرق بعينه، أو نظام سياسيّ أو وضع اقتصاديّ معيّن. وعليه أصبح النظر إلى هذا الخيار أمر حتميّ لا بدّ من اتّخاذه بديلاً عن خيار آخر يقود إلى دمار وشقاء أكبر.

وقد يبدو تحقيق ذلك مستحيلاً، لولا الشواهد التي تبشّر بإمكانيّة وجوده في متناول البشريّة اليوم.  وفي الحقيقة، فقد بدا هذا الحلم بعيد المنال لقرون عديدة حتى تهيّأت له الأسباب والوسائل!  فإنّ التقدم الهائل الذي شهده العصر الحاليّ في العلوم الطبيعيّة والبيئيّة قد أتاحت للبشريّة إمكانيّات عظيمة نحو تحسين نوعيّة حياتها على وجه الأرض، كما أن التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العقود الأخيرة قد وضع العالم على عتبة عصر جديد في آماله وتطلّعاته نحو غدٍ مشرق، وفتح المجال أمام إمكانيّات هائلة للاندماج والائتلاف لم تكن ميسّرة قبل قرن من الزمان.  ولا تنقص البشريّة اليوم، بعد أن تحقّق لها أسباب الرفاهيّة المادّيّة، إلا قبول لواقع يفرضه عليها الناموس الإلهيّ في سير تكاملها الانسانيّ على مرّ الدهور والأعصار.

فالأسرة الانسانيّة تمرّ في مسيرة حياتها الاجتماعيّة بمراحل مشابهة لما يمرّ به الانسان في مراحل حياته من طفولة فحداثة ثم بلوغ ونضج، وما شهدته عبر التاريخ من صراع وتلاطم وعدم استقرار كانت في الحقيقة ظواهر طبيعيّة لمرحلة ما قبل البلوغ. وها هي قد وصلت الآن إلى عتبة مرحلة النضج الجماعيّ في مسيرة تكاملها الحضاريّ، يمكن رؤية شواهدها فيما تحقّق لها من إنجازات عظيمة خلال قرن من الزّمان. فهل يمكن، على سبيل المثال، تجاهل ما تحقّق في منتصف القرن الماضي من نجاح في ترسيخ دعائم نظام عالميّ من خلال تأسيس مجلس دوليّ تمثّـل في هيئة الأمم المتحدة والتي برهنت بجهودها المستمرة على مدى عقود وبما تملكها من صلاحيّات وشرائع على إمكانيّة الحفاظ على السلام؟ أو هل يمكن التقليل من شأن تلك الجهود التي أسفرت عن تشكيل اللجنة الدوليّة لحقوق الإنسان، وقيام منظّمات غير حكوميّة متزايدة على العمل من أجل ضمان احترام الإعلان الدوليّ لحقوق الانسان وتطبيقه كأساس للمعايير والضوابط الدوليّة؟  فضلا عن ذلك التحوّل الجذريّ الذي طرأ على الفكر البشريّ المتمثل في إدراكه لأهميّة تغيير أنماط من السلوك والفكر كانت في الماضي من المسلّمات وسببًا في النزاعات والصراعات، مثل التعصبات الدينيّة والمذهبيّة؛ والصراعات العرقيّة والنوعيّة والقوميّة؛ وتكريس مبدأ الفرديّة وسيادة الحق الشخصيّ والانهماك في الماديّة البحتة التي تعتبر جوهر اللادينيّة.  وبموازاة ذلك على صعيد الحياة الاقتصاديّة، شهدت العقود الأخيرة من القرن الماضي قيام مؤسسات عالميّة مثل صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ والاتفاقيّة العامّة للتعرفة والتجارة وجهود عالميّة أخرى تعنى بتحقيق الرّخاء الماديّ على كوكب الأرض. ألا يدلّ كلّ ذلك وشواهد غيرها أنّ المجتمع البشريّ في مسير حضارته الإنسانيّة يعي ويدرك باستمرار أن حفظ كيانه واستقراره يعني الحفاظ على وحدته وتحقيق العدل والمساواة بين جميع أفراده دون استثناء؟  أليس ذلك شاهدًا حقيقيًّا على أنّ المجتمع الانسانيّ يسير على نهج تكامليّ يقوده نحو قدره المرسوم له من قبل خالقه وهو مرحلة الاتحاد والائتلاف الحقيقيّ؟

إنّ الدرس الذي يجب أن تعيه البشريّة جمعاء من خلال تجارب الماضي وأخطائه هو أنّ كل تطوّر وتقدّم تحقّق عبر التاريخ كان نتيجة التعاون والتضامن ووحدة العمل، وأنّ الظلم والانقسام والعناد جرّ لها الوبال والشقاء والدمار. وعليه فإنّها الآن أمام خيار حول مقدار المعاناة والشقاء الذي يجب أن تكابدها حتى تسلّم بهذه الحقيقة وتصل إلى برّ الأمان.  فهل تعي هذا الدرس قريبّا فنشهد عملاً صادقًا نحو سلام ووحدة حقيقيَّين مع نهاية القرن؟!